يوسف المرعشلي

841

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

أخذ عن الشيخ عيسى الكردي الطريقة النقشبندية ، وجرت بينهما محاورات علمية أدرك فيها الشيخ عيسى نباهته وعمقه في فهم النصوص واستنباط الأحكام فقال له : « عليك بالفقه يا ولدي » . وكان أعظم شيوخه أثرا فيه مفتي الشام الشيخ محمد عطا الكسم ، الذي لمس نبوغه وتفتّحه وتميّزه عن زملائه الطلاب . رأى عنده صدقا في طلب العلم فأهداها نسخته الخاصة من « حاشية ابن عابدين » ، وأقرأه فيها على الفور ، مبتدئا من باب ( الإجارة ) حتى آخرها ، ثم أعاد عليه قراءتها كاملة مرتين . والشيخ محمد عطا أستاذه المباشر ، وصاحب الفضل عليه ، لازمه ما يربو على ثلاثين عاما ، وحضر دروسه الخاصة والعامة ، ولم يفارقه سوى ليلة زفافه ، وقد عاتبه الأستاذ على ذلك . وطلب منه أن يدرّس نيابة عنه في جامع يلبغا ، وأن يؤمّ الطلاب بدلا عنه في مدرسة مكتب عنبر . كان من أنجب تلاميذه ، وأقربهم إليه ، يعتزّ به ، وينتظره فلا يبدأ الدرس إذا تأخر ، وعندما يحضر يقول له بصوت خفيض : « أهلا وسهلا » . وأثر عنه قوله : « أنا لا أقرأ الدرس إلا لواحد أو اثنين » ويشير إلى تلميذه عبد الوهاب ؛ ولهذا فقد سمّي خليفته من بعده ، ولقّب بأبي حنيفة الصغير لإمامته في الفقه الحنفي ، وإليه يرجع في مسائل المذهب . وبتعرّفه إلى الشيخ محمد عطا ابتدأت في حياته مرحلة جديدة من أخصب مراحلها ، وأبعدها أثرا في تكوين شخصيته وثقافته الفقهية . ولأجل شيخه تحوّل إلى المذهب الحنفي ، وكان قبل شافعيا ، وعليه قرأ مع الفقه جميع أنواع العلوم من حديث وتفسير وبلاغة ومنطق وسواها . حصل على ثلاث إجازات إحداها من المحدث الشيخ بدر الدين الحسني ، والثانية من شيخه مفتي الشام محمد عطا الكسم ؛ أجازه فيها بالمعقول والمنقول ، وبكل ما تجوز له روايته من علوم الشريعة . أما الإجازة الثالثة فمن الولي الصالح الشيخ محمد رضوان عالم المدينة المنورة ، وهي إجازة بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبدلائل الخيرات . أتقن حفظ القرآن الكريم وتجويده أيّ إتقان وخاصّة مخارج الحروف ، وكانت له نكهة خاصة أصبحت سمة له عرفت بالقراءة الدبسية ، بل صار كلامه كله مجودا بدون تكلّف لشدة ما أخذ نفسه بالضبط ، فأكبره العلماء ، وقدروا له قراءته ، حتى لقد أخذ عنه العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن الزعبي ( الطيبي ) الذي لم يحجبه قدره ولا تقدم سنه من التلقّي عنه ، فكان يأتيه من بيته في آخر حي الميدان ليتلو عليه . تذكّر أخلاق المترجم الكريمة بسيرة السّلف الصالح وأخلاقهم ، ينصرف إلى ما فيه الخير ، وهو في ذاته صورة كريمة للعلماء العاملين الربانيين ، الذين يزهدون في كل شيء في سبيل عزة العلم . زاهد ورع ، والزهد والورع علامة متميزة عنده ، يتحرّى الحلال ، ويتحفّظ من الحرام ، يرضى بالكفاف من العيش ، ويقنع به فلا تفتنه الدنيا . ترك كثيرا من الحلال لئلا يقع في قليل من الحرام ، ورأى أن الشيطان يدخل على ابن آدم من سبعين بابا من أبواب الخير . وبلغ به التحري في طلب الحلال والاحتراز عن الشبهات أنه لم يستجب إلا لدعوات أصحابه المخلصين الذين يطمئن إلى طيب طعامهم ، ولا يتعامل إلا مع من غلب على ظنه طهارة ماله . وهذا التحري جعله يشتري بحرّ ماله الحلال كفنا وقبرا أعدهما قبل موته بزمن طويل . وكان زهده يتجلّى في ملبسه ومطعمه ومسكنه وسائر شؤون حياته ، فيبتعد عن المظاهر ، يقنع بغرفته الصغيرة المتواضعة الأثاث ، والتي لا تزيد مساحتها على أمتار قليلة ، فيها يستقبل الناس كلهم ممن رغبوا فيه كل الرغبة ، وأصفوه خالص المحبة . ومن زهده أنه يرفض الهدايا من طلابه ، وهو يتعب من أجلهم لا يكلّفهم شيئا من حوائج الدنيا البتة ، ويرى أنه يبذل العلم لا لغرض سوى مرضاة اللّه تعالى . ومن زهده أنه رغب عن كثير من الوظائف العالية ، وقد عرضت عليه في دمشق وبيروت وغيرهما من العواصم العربية منها : إمامة الجامع الأموي ، ومنها أمانة الفتوى لعهد المفتي الشيخ محمد الأسطواني ، ومنها الإفتاء العام ، رغم ما بذل من جهد في سبيل إقناعه ، جهد دام أكثر من سنة ، وكان يقول إذا كلّموه في ذلك : « إن كانت سؤالا عن حكم وتعريفا بالحلال والحرام فإني أقوم بها بطبيعة الحال ، ولم أغلق بابي في وجه سائل ولا مستفت ولا متعلم . وإن كانت الفتوى مظهرا لاستقبال زيد ووداع عمرو وحضور حفل فإني ما أحب ذلك ولا أرغبه » .